نيتشه والنازيَّة الخضراء

 عبدالكريم يحيى الزيباري

مقولات نيتشه: العدمية، إرادة القوة، الإنسان المتفوق، العود الأبدي للتماثلات، انتشرت واحتفيَ بها باعتبارها خاتمة الميتافيزيقيا الغربية. سُئل هايدغر لماذا لم تذكر فرويد ولا مرة في نصوصك، ولم تذكر ماركس إلا نادراً، بينما كتبت كتابا ضخما من جزأين حول نيتشه؟ أجاب بابتسامة:

“كل ما يمكن أن يعلّمني إياه فرويد أو ماركس موجود عند نيتشه، والارتجاج النيتشوي هو النتيجة البعيدة للارتجاج الأفلاطوني ثم الديكارتي”.

لاحتفاء النازية بتراث أبيها الروحي نيتشه، جذور وفروع امتدَّت لفترة القلق الكبير بين الحربين العالميتين، وحذا الشعب حذو الموجة السائدة في تخليها عن تراث الفلسفة العقلانية لهيغل وكانط والتقاليد الفلسفية الكبرى التي ربطت المعرفة بالحياة، لصالح تيار الفلسفة اللاعقلانية الذي نشره نيتشه مع براغماتية بربط المعرفة بالمصلحة، باعتبار أنَّ الحق الكلاسيكي للنظريات الفلسفية ولمفسري الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، في إدراك جوهر الكون، وتوجيه سلوك الإنسان انطلاقاً من هذا الإدراك المُفترض، أمام التحليل المنطقي لمقاييس العلم الحديث.

أواسط القرن التاسع عشر تعسكرَ المجتمع الألماني وانصهر في الجيش، تقدَّسَ حملَة السِّلاح، وأهمِلَت الزراعة، وحدث الركود الاقتصادي سنة 1870 نتيجة فتح الأبواب أمام مستوردي الحنطة الأمريكية، فوصلَ فلاحو ألمانيا إلى درجة اليأس، فنظموا اتحاد الفلاحين 1893، وبدأوا يطالبون بفرض رسوم كمركية على الحنطة الأمريكية. وفي القرن العشرين ألغت وزارة الدفاع الألمانية خطة تشكيل الجيش الأعظم، خوفاً من تسلل العناصر الاشتراكية، حيث نشرت الحكومة منشوراً بأنَّ الاشتراكيين يفتقرون إلى الأخلاق الضرورية ليكونوا ضباطاً في الجيش الألماني. وبسبب الشروط القاسية التي فرضتها معاهدة فرساي، والديون والالتزامات المتعسِّفة التي ترتبت على ألمانيا، والظروف الاقتصادية السيئة التي عاشها الشعب الألماني، مما ولَّد كراهية شعبية للكاثوليك واليهود، والبحث عن سلطة قوية تستعيد دانتزيغ وميمل وسيلزيا والممر البولندي ومقاطعتي السوديت وبوزن، وتعيد للقومية الألمانية مجد بسمارك وفريدريك الكبير، وتسحق كل معارضة أو مقاومة داخلية أو أوربية خارجية. وانتشرت النيتشوية بين أعضاء حركة الشباب الحر، التي أمدَّت النازيَّة بمعظم قادتها الشباب المتعصبين لفكرة الدولة تعبيراً عن إرادة القوة التي من الأفضل أنْ تسيطر على العالم، ويصبح مواطنوها أسياد العالم. نيتشه الذي حَظِيَ برِضا النظام الكهنوتي البروتستانتي المتطرف، وغَذَّى فقر النازية الفكري وعطشها للعظمة، لكثرة التشابهات، نبذه الديمقراطية والليبرالية والاشتراكية الكاثوليكية. واستطاع هتلر كسب التأييد الشعبي بترويجه نفسه كمنقذ من الكساد الاقتصادي ومعاهدة فرساي والشيوعية و”البلاشفة اليهود” وضغوط الأقليات، وحال وصوله إلى السلطة أصدرَ فيلماً وثائقياً بعنوان (انتصار الإرادة/ 1935) محاكاةً لإرادة القوة، هتلر في طائرة فوق الغيوم، ويمرُّ بسيارته بين الحشود التي تهتف له، ثم تتابع وصول المسؤولين النازيين إلى ساحة لويتبولد. وفاز الفيلم بجوائز ألمانية وأمريكية وفرنسية وسويدية.

إنَّ الإمبراطورية الألمانية كانت قوة عظمى مرهوبة الجانب، رغم افتقارها إلى مؤسسات الدولة، مع أحلام كبيرة حدَّ السَّذاجة، كانت السلطات كلها محصورة بيد الإمبراطور والأمراء أعضاء المجلس الثاني (بوندسرات) المستمدين سلطتهم من نظرية حق الملك الإلهي في الحكم، وفي مدينة كونيغزبرغ، 25 آب خطبَ الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني:

هنا أرسى فريدريك وليام الأول سلطته كصخرة من البرونز، وهنا وضعَ جدي التاج المَلكي على رأسهِ، الله وحده منحه النعمة، وليس البرلمانات والمجالس الشعبية والقرار الشعبي، كان أداةً اختارتها السَّماء، وها أنا أمضي في سبيلي، معتبراً نفسي أداةً بيد الرب.

وفي الأرشيف الألماني عدد هائل من الفكاهات والصور الكاريكاتيرية المتهكمة بنظرية الحكم الإلهي للإمبراطور، تعبيراً عن السَّخط الشعبي بنظام الحكم الدكتاتوري. فَمَنْ سيجمع أرشيف التهكم بالخضراء؟ كمشهد ” أبو الذوق سائق سيارة المسؤول العائد من الحج”!.