لماذا نيجيرفان البارزاني ؟

 

محسن عوض الله

29 أكتوبر 2017 كان يوما عصيبا فى تاريخ كردستان، فالزعيم التاريخي للإقليم مسعود برزاني أعلن عدم رغبته فى تجديد فترة رئاسته وذلك عقب فشل الإستفتاء والإجراءات العقابية التي اتخذتها بغداد ودول الجوار ضد شعب كردستان. رحل مسعود برزاني وفق رغبته فى توقيت صعب على كردستان وشعبها مفوضا رئيس وزراء الإقليم نيجرفان برزاني ببعض صلاحياته وسط أزمات داخلية وخارجية كبيرة تهدد بقاء الإقليم نفسه. تركة ثقيلة ورثها نيجرفان برزاني عن عمه مسعود الذى ترك الإقليم وقد أحاطته الأزمات الداخلية والخارجية، فالرواتب توقفت ولا تجد الحكومة موارد لصرف مرتبات موظفيها ما أدى لحالة من الغضب الشعبى ، كما عاني الإقليم فى تلك الفترة من انقسام حاد دفع البعض للتنبؤ باحتمالية حدوث انقسام بين مدن كردستان و عودة نظام الادارتين خاصة بعد أحداث 17 أكتوبر ودخول القوات الحكومية كركوك. كما عاني الإقليم فى تلك الفترة من حالة حرب اقتصادية وكاد الوضع يتطور لحدوث مجاعة بكردستان نتيجة إغلاق دول الجوار المعابر والمنافذ المشتركة مع الإقليم عقابا على إجراء استفتاء سبتمبر ، وعلقت دول عربية من بينها مصر الرحلات الجوية لمطارات كردستان . كان الأمر مأساويا بشكل كبير ، فالجميع كان يحارب الإقليم، و تخلي عنه كل الحلفاء الدوليين ، وتبنت واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي مواقف مناهضة لإجراء الاستفتاء. وسط هذا الظلام الدامس، والمستقبل المجهول، بدأ السيد نيجرفان برزاني مهامه كقائم بأعمال رئيس الإقليم بجانب عمله كرئيس للحكومة معتمدا سياسة تصالحية وطى صفحة الخلافات مع كل شركاء الإقليم . نجح نيجرفان عن طريق الدبلوماسية الناعمة التي انتهجها مع دول الجوار وبزيارات مكوكية لطهران وتركيا ثم بغداد فى تخفيف حدة الخلا وتضييق الهوة بين الإقليم وجيرانه، بصورة عادت معها حركة التجارة عبر منافد الإقليم رويدا رويدا لمرحلة ما قبل 25 سبتمبر 2017. ولم يمر على توليه مهامه كرئيس مؤقت للإقليم أقل من شهرين إلا وكان نيجرفان يقوم بجولة أوربية بفرنسا وألمانيا ويجري محادثات مع كبار المسئؤولين بالبلدين حول أزمة الإستفتاء، وفى مطلع 2018 إلتقي برزاني بالحبرالأعظم البابا فرانسيس بابا الفاتيكان فى زيارة خاصة لمقر الكاتدرائية بالفاتيكان. رويدا رويدا خرج الإقليم من عزلته، وسقطت مؤامرة الحصار، نجح نيجرفان فى الاختبار الصعب وقاد سفينة كردستان الغارقة إلى شاطىء النجاة. اليوم وبعد أقل من عامين على ذكري تولي نيجرفان مهامه كرئيس مؤقت للإقليم يمكن القول أنه حقق معجزة سياسية بكل المقاييس، فالإقليم الذى تولاه وقد داهمته المجاعة يتمتع اليوم بمؤشرات إقتصادة عالية تجعله محط أنظار المستثمرين الأجانب. والإقليم الذى تولي أموره وقد ضرب الحصار جميع حدوده ومنافذه صار اليوم قبلة للسياسيين من كل أنحاء العالم، والدول التي أعلنت الحرب التجارية والاقتصاديةعلى كردستان بسبب الإستفتاء صارت اليوم تتودد لحكومة الإقليم بحثا عن تعميق العلاقات وتعزيز التعاون الإقتصادي. صار الإقليم الذى كان منبوذا محاصرا، منذ أقل من عامين، محط أنظار العالم، فالاتصالات لاتتوقف مع قادته، واللقاءات والزيارات لا تنتهي بعاصمته، الكل ينظر لكردستان الأن على أنها دبي الجديدة، ونقطة الحل لكثير من أزمات المنطقة، نموذج ناجح وسط منطقة تعج بالفشل، ديمقراطية وليدة وسط شرق مستبد. على الصعيد الداخلي، نجح نيجرفان فى إعادة اللحمة بين أحزاب الإقليم ومكوناته الدينية والعرقية والمذهبية، انتهج سياسة المواطنة والتعايش، لا فضل لقومية على أخري، ولا ميزة لدين أو مذهب ، الكل سواسية تحت سماء كردستان فعاش الجميع فى وئام، وتصالح مع النفس بعيدا عن أى نعرات طائفية أو دعوات تحريضية. مع إقتراب برلمان كردستان من إعلان نيجرفان برزاني رئيسا جديدا لكردستان، يجدر بنا أن نبني الكثير من الأمال والأحلام على ذلك الزعيم الذى قاد السفينة المحطمة وسط الظلام حتى وصلت لبر الأمان، وهو الأن يستكمل تلك المسيرة ولكنه ينطلق من وضع اقتصادي مستقر، وتمثيل دبلوماسي وعلاقات دولية كبيرة. الفترة الرئاسية الأولي لنيجرفان برزاني المقرر إعلانها خلال أيام تستحق الإحتفال والفرحة بزعيم ليس بحاجة للحديث عن انجازاته، فيكفي أن ننظرلكردستان لنري انجازاته واقع ملموس على الأرض. شخصيا أتوقع تحقيق طفرة اقتصادية وسياسية كبيرة بكردستان خلال الفترة الأولي من حكم الزعيم نيجرفان برزاني فى رئاسة إقليم كردستان، وأتمني ألا تنته تلك الفترة إلا وتم تعديل دستور الإقليم، بما يسمح بانتخاب الرئيس من الشعب، وليس البرلمان، بصورة تعمق التجربة الديمقراطية بكردستان، كما اتمني أن يسعي رئيس الإقليم الجديد لتأسيس قوة امنية وطنية موحدة غير مؤدلجة أو حزبية، وحصر السلاح بيد أجهزة الدولة فقط وهو أمر ليس بمستحيل كما قد يعتقد البعض خاصة أن نيجرفان برزاني نجح خلال الفترة الماضية فى إزالة الخلافات الحزبية بين القوي السياسية بالإقليم ، ومؤسسة الرئاسة والحكومة ستكون معبرة بشكل كبير عن معظم مكونات الإقليم الحزبية والسياسية وهو ما يجعل من فكرة توحيد القوي العسكرية والأمنية أمر طبيعي. ختاما..تبقي لتجربة كردستان تفردها وتميزها كحالة خاصة بالشرق الأوسط، حالة تستحق الوقوف عندها ودعمها بما يعزز من نجاحها ، ويبقي لنيجرفان برزاني لونه السياسي المختلف، وكايرزمته التي تجعلك لا تملك سوى الإعجاب بشخص ذلك الزعيم الذى يفتقد الشرق الأوسط لأمثاله..