كوردستان و مشروع بريكزيت البريطاني  

بدرخان الزاويتي

بريكزيت هو مختصر لكلمتي (brtain & exit) اي خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي. في يوم 23-6-2016 وشارك في الاستفتاء مايقارب 17.4 مليون بريطاني و صوت (51.9%) لصالح الانسحاب من الاتحاد الاوربي ومنذ تلك الفترة و لحد الان لم تستطيع بريطانيا و خاصة تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا عن طريق مشروعها المسمى ب بريكزيت من تحويل نتائج الاستفتاء الى واقع و وضع هذا المشروع بريطانيا في مشاكل و مأزق كبيرة و هناك الكثير من البنود و العقبات حالت دون تمرير هذا المشروع من البرلمان البريطاني ولعل السبب الاكبر لفشل هذا المشروع هو عندما فشلت بريطانيا السيطرة مجددا على العراق و خاصة بعد خيانة 16 اوكتوبر عام 2017 عندما تصدت قوات البيشمركة لاكبر هجومين للحشد و القوات العراقية و كتائب حزب الله و غيرهم من المليشيات في ملحمتي بردى و سحيلا و خاصة ملحمة سحيلا ومنع سقوط المثلث الحدودي الرابط بين العراق و تركيا و سوريا بيد الحشد والمليشيات الاخرى و منع غلق الطريق الرابط بين اقليم كوردستان و كوردستان سوريا و كانت بريطانيا تنوي بعد السيطرة على العراق كاملة خلق وضع و واقع مغايير تماما بالتنسيق و التعاون مع تركيا و ايران و كانت ستسيطر على الكثير من مصادر الطاقة و طرق نقلها و التي هي عماد مشروع البريكزيت. و لتستولي على كل تلك الثروات وهي بعيدة عن منظومة الاتحاد الاوربي !! و كانت ستترك القوات الامريكية المتواجدة في سوريا تحت رحمة داعش و الحشد و كانت ستجبر الاتحاد الاوربي للتفاوض مع روسيا و بشروط روسيا لتامين الغاز الطبيعي لها ولكن فشل هذه المؤامرة جعلت بريطانيا تقع في مشاكل و احراجات دولية كبيرة و فقدت الكثير من ثقة المجتمع الدولي بسياساتها التي تنقض كل القوانين و المبادئ  من اجل مصالحها.

هنا يجب الرجوع الى الماضي قليلا و التحدث عن الصدمات التي تلقتها القضية الكوردية على يد بريطانيا و خاصة بعد حاول الكورد في بدايات قرن العشرين التقرب من هذه الدولة بغية مساندتها و حمايتها من بطش العثمانيين و الصفويين هاتين الدولتين اللتان قسمتا كوردستان فعليا الى قسمين خاصة بعد معركة جالديران سنة 1514 و بعدها سلسلة الاتفاقات التي ابرمت بين الطرفين لتحويل تقسيم كوردستان الى واقع و منها اتفاقية اماسيا عام 1555 و اتفاقية زهاو لترسيم الحدود و بعدها اتفاقيات ارضروم عام 1823 و 1847 وصولا الى اتفاقية تخطيط الحدود بين الدولتين عام 1913 لذلك حاول الكورد التقرب من الغرب و خاصة بريطانيا لوضع حد لانتهاك حقوقها من قبل الدولة العثمانية و الدولة الصفوية!! الا ان بعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1918 و احتلال بريطانيا للعراق عام 1920 و بنود اتفاقية سيفر في نفس العام والتي اقرت بضرورة حماية حقوق الكورد و فصل كوردستان عن الدولة العثمانية لتأتي بريطانيا بعد مؤتمر لندن عام 1921 و خوفا من اتاتورك من ان يتقرب من الاتحاد السوفيتي بعد ان حقق انتصارات كبيرة في حروبه مع اليونان و الاتفاقيات العديدة التي وقعها اتاتورك مع السوفييت فقامت بارضاء اتاتورك على حساب الشعب الكوردي و اتفقوا في معاهدة لوزان عام 1923 و نسفوا كل بنود اتفاقية سيفر وكل مايتعلق بالقضية الكوردية بعد ان كان الكورد قريبون جدا من الظفر بحقوقهم و صناعة كيانهم المستقل حالهم كحال ارمينيا و دول اخرى!!  و لم تقف بريطانيا عند هذا الحد بل و الحقت ولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية  المطلقة بالعراق و قسمت كوردستان الى اربع اقسام بعد ان كانت قسمين !!!

يجب ان لاننسى انه بعد انتفاضة اذار عام 1991 واجراء اول انتخابات برلمانية في اقليم كوردستان عام 1992 و تشكيل اول كابينة حكومية و برلمان و اعلن الكورد عن انفسهم كاقليم فيدرالي داخل العراق و ضمن حدود خط 36 الدولي!!  ومحاولة بريطانيا عام 1996و عن طريق ايران و المعارضة العراقية بالانقلاب على صدام حسين و السيطرة على اقليم كوردستان عن طريق حزب الاتحاد الوطني و انهاء وجوده كفدرالية و طرد عائلة البارزاني و الحزب الديمقراطي الكوردستاني من الساحة السياسة و تم افشال هذا المخطط في 31 اب من نفس العام !! لتحاول بريطانيا مرة اخرى و عن طريق نفس الاجندات بانهاء وجود فيدرالية كوردية في العراق بعد ان اقدم الكورد على اجراء الاستفتاء لبيان مصيرهم في العراق و صوت الغالبية العظمى من الشعب الكوردي لصالح الاستقلال من العراق لتأتي احداث  كركوك في 16 اكتوبر عام 2017 و ماتلتها من احداث و ازمات واعلنت بريطانيا صراحة و من داخل البرلمان البريطاني بانهم وراء تلك المؤامرة !! الا انه تم افشال مؤامرتها و  مخططها ثانية و لكن الكورد خسروا هذه المرة كركوك و اغلب المناطق المشمولة بالمادة 140 من الدستور العراقي بعد ان كانوا قد حرروها و قاموا بحمايتها من ارهاب داعش !!

لعل اجراء الاستفتاء لاستقلال اقليم كوردستان في 25-9-2017 و حصولها على نسبة 92.7 لصالح الاستقلال كانت خطوة استباقية لمؤامرة اخرى بريطانية ضد كوردستان كانت قد اعدت لها سابقا و كانت لتحدث سواءا اجري الاستفتاء او لم يجري!!؟؟ و رفض القيادة الكوردية لكل المساوماة على ذلك القرار و تحديها  لذلك الكم  الهائل من الضغوطات الدولية و الاقليمية و الداخلية على كوردستان كانت لافشال تلك المخططات و اثبات حق الشعب الكوردي بالاستقلال وفق مقررات وركائز منظمة الامم المتحدة!! و هذا مااجبرت بريطانيا و بعض الاجندات الاقليمية من التعجيل في تنفيذ تلك المؤامرة ضد كوردستان و حدث ماحدث من خيانة 16 اوكتوبر في كركوك و مناطق اخرى و كان هدفهم خلق صراع داخلي و السيطرة على اربيل و انهاء وجود اقليم باسم كوردستان و بعدها اعلان حكومة الانقاذ و بقرار سياسي الغاء نتائج الاستفتاء و من ثم التسليم لارادة بغداد المحتلة سياسيا وعسكريا و اقتصاديا من قبل ايران و بريطانيا وقتل القضية الكوردية مجددا !!!

بعد تلك الاحداث دخل الاقليم و حكومتها مرحلة خطيرة و حساسة للغاية و كانت قاب قوسين او ادنى من الانهيار التام بعد ان فرضت بغداد حصارا صارما و اجراءات تعسفية كبيرة على كل مفاصل الحياة في كوردستان !!! و تلتها انسحاب الاطراف السياسية الكوردية الواحد تلو الاخر من الحكومة ليعلن رئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني في المؤتمر الصحفي يوم 17-1-2018 عن انسحاب هذه الاطراف من الحكومة و تركها لمصيرها و وقفت هذه الاطراف في صف واحد مع بغداد ضد الاقليم و لكن كل محاولاتهم و فتنهم كان مصيرها الفشل و استطاعت الحكومة و بفضل سياساتها من فتح ثغرة في جدار الازمات و الضغوطات و زيارة فرنسا و بعدها  ليعلن في مساء يوم 20-3-2018 بمناسبة عيد نوروز و الذي يعتبر راس السنة الكوردية و عيد قومي صدر  خطاب متلفز لرئيس حكومة اقليم كوردستان و تطرق فيها الى جملة المشاكل و الازمات التي كان يعاني منها الاقليم و لحد الان و اسبابها و المراحل التي تخطتها الحكومة و وقف على الازمة الاقتصادية و صرح حينها بان موضوع الرواتب سيحل قريبا و هذا ماحصل فعلا و ان الازمة الاقتصادية ستنتهي و سنجتازها و ستعود الانتعاش الى اقتصاد الاقليم. و تزامنا مع ذلك الخطاب صدر خطاب من السيد مسعود البارزاني و خطاب من مستشار مجلس الامن للاقليم السيد مسرور البارزاني المرشح لتشكيل الكابينة الجديدة لحكومة اقليم كوردستان وفي الخطابات الثلاث توضحت الصورة الكاملة للاحداث التي تجري في المنطقة و ان الخطابات الثلاث قد كملت الصورة من الناحية الادارية و الاقتصادية و من الناحية السياسية و من الناحية الامنية و هي مكملة للبعض و تظهر خارطة الطريق التي رسمها كوردستان لتخطي هذه المرحلة الصعبة جدا و فعلا تمت تجاوز اغلب مراحلها الصعبة و الخطيرة جدا .

واخيرا لندن دعت اكثر من مرة السيد نيجيرفان بارزاني لزيارتها بعد فشل مشروعها و لو لبى رئيس الحكومة دعوة لندن لزيارتها في ظل تلك الظروف التي عصفت بالاقليم بعد احداث كركوك في 16 اكتوبر 2017 حينها  لكان من موقف ضعف و لفرضت بريطانيا شروطها على الاقليم لتخفف بالمقابل ضغوطات بغداد و طهران و الحشد الشعبي و بعض الاطراف السياسية الكوردية على حكومة الاقليم . ولكن بعد دخول الاستراتيجية الامريكية مرحلتها الاخيرة ضد ايران و التي ستنتهي في 2-5-2019 لذا ستجبر بريطانيا من اجل حماية بعض مصالحها في المنطقة وفي ظل هكذا ظروف  من تجديد دعوتها سواءا لرئيس الاقليم او رئيس حكومة الاقليم لزيارتها و واضح ان زيارة سيمون ماكدونالد نائب وزير خارجية بريتانيا لشؤن الشرق الاوسط الى اربيل في يوم 5-5-2019 تاتي ضمن هذا الاطار و  اذا ما قبلت الدعوة  قيادة الاقليم ستكون لندن مجبرة لقبول بعض شروط الاقليم وخاصة مايتعلق ب وضع كركوك و المناطق الاخرى و اعادة القوات الامنية الكوردية و قوات البيشمركة الى تلك المناطق لحمايتها  !! و تسليم ملف الادارة و ادارة المنشأت النفطية الى ادارة حكومة الاقليم !! بالمقابل ستعمل حكومة الاقليم  بالتنسيق مع الشركات امريكية و الروسية و خاصة روسنفت من خلق نوع من التوازن  بين مصالحها و بريطانيا في الاستثمار في نفط كركوك و المناطق الاخرى و قد يتمخض عنها اعادة صياغة بعض العقود النفطية بين الطرفين. او فتح باب الاستثمار للشركات البريطانية للعمل في كوردستان .   اي ان الاقليم مقبل على مرحلة مغايرة تماما  و ان القادم سيكون في صالح كوردستان من دون شك .