شَطارة

امين يونس
خال إبن عم حمكو ، شخصيةٌ ذو نفوذ ، وولائه مُطلَق للطَبَقة التي فوقه ، لكن الكثير من أفراد الفِئات التي دونه ، يبدون خضوعهم له . وإنسياقاً مع المَثَل ” هنيئاً لللذي المُختار خالهُ ” .. فأن أولاد عم حمكو ، يستثمرون بصورةٍ جيّدة موقع خالهم .. ويعرفون كيف يُظهرون ” إحترامهم ” وتبجيلهم له .. بل أنهم ، طالما دخلوا في مُشاحنات ضد كُل مَنْ تُسّوِل له نفسه ، إنتقاد خالهم أو التلميح إلى فساده .. وبالمُقابِل ، فأنهُ أي الخال ، لم يُقّصِر في ترتيب عقود سمينة لأولاد أخته ، يحصلونَ من وراءها على موارد كبيرة دون بَذل جُهدٍ يُذكَر .
المسألة وما فيها .. أن الفُرصة اُتيحتْ مِراراً لحمكو ، أن يُوّطِد علاقته مع أبناء عمه ومن خلالهم الوصول إلى خالهم المُهِم .. وتوطيد العلاقة لم يَكُن يحتاج إلا إلى القليل من المُهادَنة وبعض المُداهَنة ! . نعم … كان يستطيع أن يستمع خلال زياراته الروتينية لبيت عمّه ، إلى أحاديثهم التي يمتدحون بها خالهم ويُصّورون جميع أفعاله وكأنها بطولات ، ويسكُت .. نعم .. لكنهُ لم يُهادِن وبدلاً من ذلك ، كان يُناقشهم ويُشّكِك بمصداقية ونزاهة الخال ، مما يُثير حفيظة أولاد عّمه .
كان يستطيع أن يُؤَيِد مايقولون ويُضيف بعض الألوان لللَوحة ويُزركشها .. لكنهُ بطبيعته الحمكوية ، لم يُداهِن .. بل حاول تسفيه أقوالهم .. ولهذا فأن حمكو لم يكُن مُرّحَباً بهِ كثيراً في تلك الأوساط .
ولأن حمكو لا يعيش منفرداً في مُجتمعٍ مُغلَق .. فأنهُ وتحت ضغط الإحتياجات اليومية الضرورية ، كثيراً مايحتاج إلى ” واسطة ” في دائرةٍ ما ، فيلجأ مُضطَراً إلى أبناء عّمه ، الذين لايتوانون عادةً في مُساعدته برحابة صَدر .. صحيح أنهم لايقولون ذلك مُباشرةً ، لكنهم يُشعِرونَ حمكو في كُل مُناسَبة ، بأنهم الصَح وهو في الجانب الخطأ !. ويا للسهولة التي يَحّلون بها مشاكِل حمكو ، ففي حين تعبَ المسكين من مراجعاته وعجزَ عن تمشية معاملته الروتينية الضائعة وسط متاهة البيروقراطية والفساد ، فأن إبن عمّه حينَ لجأَ إليهِ أخيراً ، قالَ لهُ بأن الأمر بسيط ، ولا يحتاج حتى للذهاب معه إلى الدائرة ، بل إتَصَل بالمُدير تلفونياً وأخبره بأن إبن عمه حمكو عنده مُعاملة بحاجة إلى تمشية ، فقال لهُ المُدير : لِيأتِ الآن وتتدّلَل أنتَ وهو ! .
يستغربُ حمكو من هذا الواقِع الغريب … إبن عّمه أصغر منه سّناً ولا يحمل شهادة جامعية ولا يتمتع بمؤهلات تُذكَر .. فكيفَ يُخاطِب ذاك المُدير المُهم بتلك اللهجة الواثقة و ” المَيانة ” الواضحة ؟ وإستغربَ أكثر حين أدخلهُ مسؤول مكتب المدير بدون تأخير مع إبتسامةٍ كبيرة .. وهو نفسه الذي كان لا يرُد على تساؤلاته يوم أمس ! . المُهم أن مُعاملة حمكو إكتملَتْ خلال نصف ساعة .
ولأن حمكو يُريد أن يفهم ، فلقد سأل إبن عمّه : قُل لي بِرّبك .. إتصالٌ تلفوني قصير منك ، للمدير ، سّهَل الأمَر وفتح الأبواب الموصدة .. لا بل أن مسؤول المكتب نهض من مكانه مُرّحِباً بي .. فما هو السِر في ذلك ؟! . قهقهَ إبن العَم وقال : حتى تعرف قَدْر إبن عمك … ولمعلوماتك ، فأن لي أفضال كثيرة على ذاك المدير ومسؤول مكتبه كذلك ، وهُم لا يرفضونَ لي طَلَباً .

زوجة حمكو قالتْ لهُ مُعاتِبةً ونادِبةً حظّها العاثِر : .. لا أدري إلى متى ستقنع بوظيفتك المتواضعة وراتبك الهزيل .. اُنظُر إلى أولاد عمّك .. ما شاء الله واحدهم أشطَر من الثاني ! .