سياسة القضم من الطرفين

 

فاضل عمر

هنالك قصة توجيهية للاطفال في اللغات الاوربية و مترجمة الى اكثرية اللغات، مفادها انه في سالف الازمان كانت هنالك قطتان تعيشان في بيت احد الفلاحين. وفي احدى الايام، رمى الفلاح قطعة جبنة للقطتان، هرعت القطتان الى الجبنة و قررتا ان تتقاسماها فيما بينهما. لكن عند التقسيم، كانت احدى القطع اكبر من الثانية… فتجادلتا و تناوشا بينهما للحصول على القطعة الكبرى. عندها ظهر قرد ذكي و سأل عن سبب جدالهما. عندما علم السبب، قدم خدماته للمصالحة بينهما.

طبعاً رضيت القطتان بالمقترح و قدمتا القطعتين للقرد الذكي لكي يقسمهما بالعدل اي بالتساوي. عندما وضع القرد القطعتين في الميزان، فعلاً، كانت احدى القطعتين اكبر، فاخذ القطعة الكبيرة و اخذ قضمة منها وبلعها و اعاد القطعة للميزان، فاختل الميزان مرة اخرى نحو الطرف الاخر، هنا اعاد القضم على القطعة الاخرى… وهكذا دواليك الى ان بقيت قطعة صغيرة واحدة… فاخذها القرد و قال للقطتين: آسف وهذه القطعة الصغيرة، هي اجرة خدمتي للفصل بينكما.

وبلع اخر جزء من قطعتي الجبن.

استهلت مقالتي بهذه الحكاية لا للتهكم او الاساءة ولا حتى للتشبيه، ولكن لتكون مدخلا الى مايحدث في الشرق الاوسط و مناطق اخرى من العالم، وهو اعادة لسيناريو نفس القصة ولكن على مستوى الدول، ومن قبل ساسة و جنرالات القوى الكبرى و خبراءها. طبعاً يطبقونها على امثالنا، الذين لم يقرأ لهم اباءهم و لا امهاتهم هذه القصة و غيرها، قبل النوم.

ساورد بعض الامثلة الصارخة على ما اقول:

  • تقوية العراق و تسليحها لخلق عدم التوازن مع ايران: 8 سنوات حرب.
  • تقوية ايران لخلق عدم التوازن مع السعودية: شراء مزيد من الاسلحة و الاستعانة بالخبراء.
  • دعم اقليم كوردستان لتخويف العراق و ربما تركيا و ايران و سوريا: خلق القلق في المنطقة و العراق لتتنازل العراق للكل.
  • توحيد اليمنين و ظهور تيار شيعي تحاول استلام السلطة لتخويف السعودية: مزيد من الاسلحة و حرب يمنية-يمنية و يمنية- سعودية.
  • تسليط اقلية سنية عروبوية على الاكثرية الشيعية و الكوردية في العراق: ثورات و حروب دائمة و نزيف بشري و اقتصادي دائم.
  • تسليط اقلية شيعية-عروبوية على اكثرية سنية و كوردية في سوريا: عدم توازن قابل للانفجار في اية لحظة… وهي منفجرة حاليا.

هذه بعض النماذج المرئية لقصة الجبنة و القطتان؛ خلق عدم التوازن، مما يؤدي الى خلق مناطق توتر عالية او حروب محلية، عندها يأتي دور القرد الذكي الذي يسارع الى وضع الميزان و محاولة احقاق الحق و ازهاق الباطل، ولكن سرعان ما يتحول الحق الى باطل و الباطل الى حق و هكذا ستتكرر السيناريوهات الجبنوية (من كلمة جبنة) الى ان تنضب آبار النفط او ان نتعلم ان نحتكم الى العقل و المنطق و علاقات الاخوة بدلا عن القرود الذكية.

طبعاً، رسالتي موجهة الى الكل عامة و الى السيد رئيس وزراء العراق خاصة، ان كانت له السلطة الفعلية في العراق: لقد اعطاك الاقليم قطعتي الجبنة، فقسمهما بانصاف و لاتحاول ان تستمع الى القرود الذكية التي تحوم حولكم، لكي لا تعطي كل الجبن للحكام و ما اكثرهم، هذا اذا لم تكن قد اعطيتهم خلال زياراتك المكوكية في الايام الماضية… وشكراً.

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *