بناء مسجد جديد

بناء مسجد جديد

عبدالكريم يحيى الزيباري

هل تحتاج مدينتنا الصغيرة مسجداً جديداً فخماً بملايين الدولارات؟ أمسجد للصلاة والخشوع أم شيراتون للراحة والاستجمام؟

عام 2005 لغاية 2015 استمر بناء فندق شيراتون دهوك، بكلفة تجاوزت الستة ملايين دولار، وهو مغلقٌ بالشمع الأحمر بعد افتتاحهِ بأقلّ من سنة واحدة! ليس ثَمَّة في المدينة غير التجار والاستهلاك، ليس ثمَّة مصنعٍ كبير، ليس ثمَّة زراعة ولا حقول لتربية المواشي والقطعان، ليس ثمة في مدينتي غير المطاعم والفنادق!بكثرة المساجد وزخرفتها وفخامتها وقلة المصلين وكثرة حركات القِلَّة منهم ولو خشعت قلوبهم لخشعت جوارحهم، ضاعت البركة وقست القلوب وفي دار الأيتام تجد اليتامى وأعمامهم وأخوالهم أحياء يرزقون.

هل صلاة العبد في المسجد المزخرف الفاره أقرب إلى الله من صلاته في المسجد القديم المتواضع؟ في كل المدن الجميلة مساجد فخمة! إذا كان الله (اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)، فهل سينظر في فخامة مساجدكم؟ في الحديث النبوي (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِد). والنهي في قولهِ تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف:31. مساجدٌ تُبنَى بملايين الدولارات، لشعوبٍ فقيرة ومتخلِّفة في ميدان العلوم والمؤسسات الأكاديمية البحثية المختبرية. أليسَ ثَمَّة رجلٍ رشيد يبني لله مستشفىَ خيرياً أو مركزاً رصيناً للبحوث؟ لم يعد بمقدور طالبِ علمٍ أنْ يتقدم خطوة باعتمادهِ على نفسه وعزلته، كما فعل القدماء، وصولاً إلى غريغور مندل (1822- 1884) الذي اعتزلَ في كنيسةٍ يعكف على مراقبة ودراسة نباتات البازلاء، فاكتشف علم الوراثة. المسجد: مكان السجود، الأرض كلها مسجد. بنص الحديث رواه البخاري (وجُعِلَت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) للفقير أنْ يصليَّ حيث شاء، لكنه لا يجد شقة ولا أرضاً ولا فرصة عمل ليتزوج! وإذا مَرَضَ لا يجدُ الطبيب ولا الدواء، ولا يملك يرسل أبناءه إلى المدارس النموذجية ولا الكليات الخاصة!

المسجد مكان لإقامة الصلاة. الجامع لصلاة الجمعة. وفي الحديث (ما أمرت بتشييد المساجد) ما أذن الله تعالى في رفع بنائها وتجصيصها، والتشييد بالشَّيد أي بالجص، فكيف بالحلان والمرمر والقِبَب الباهظة الكلفة،

مسجدٌ جديد قام على أنقاضِ مسجدٍ قديم، تمَّ هدمه وإعادة بنائه. لماذا يهدمون بيوت الله ولا يرممونها؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عَمَّروا المساجد بالطاعة والعبادة، معرضين عن الزينة والزخرف. أولُّ مسجدٍ بُنيَ بالطين وسقفه الجريد- سعف النخل- وأعمدته الخشب وجذوع الشجر، وفي ذلك الزمن لم يكن ثَمَّة مؤسسات: مدرسة، جامعة، مستشفى، مُجمَّع سكني. وظلَّ المسجد النبوي كذلك أيام عمر مع كثرة الفتوح والأموال، وحين احتاجَ إلى تجديدهِ، قال عمر (أكنَّ الناس من المطر وإياك أنْ تُحَمِّرَ أو تُصَفِّر فَيُفْتَنَ الناس). لم يغير عمر المسجد النبوي، وزاد المال كثرةً في زمن عثمان، فجعل مكان اللبن حجارة، وسقفه بالساج مكان الجريد، لم ينتهيا عن تشييده إلا بعلمهما بكراهة التشييد، وليقتدي بهما النَّاس من بعدهما.

وذكرَ البخاري في كتاب الصلاة، باب بنيان المساجد قول (ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى). والمقصود أنَّ اليهود والنصارى ما زخرفوا معابدهم وكنائسهم إلا بعدما حرفوا وبدلوا في كتبهم، بحذف أو تأويل ما لا يعجبهم. وفي (فتح الباري) ذكر ابن رجب (لما بنى رسول الله المسجد النبوي أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبَرَ صدره، فقال: ابنوه عريشا كعريش موسى. فقيل للحسن: وما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العريش- يعني السقف. ولما قدم معاذ بن جبل اليمن- بعثه النبي صلى الله عليه وسلَّم- قالوا له: لو أمرتَ بصخرٍ وشجرٍ فَيُنقل فبنيتَ مسجداً؟ قال: إني أكره أن انقله على ظهري يوم القيامة).

وأول مَنْ زخرفَ المساجد من المسلمين، وأسرفَ في تحسينها الوليد بن عبدالملك، وسكتَ العلماء خوفاً من الفتنة، واستمرَّ سكوتهم إلى يومنا هذا. يقول تعالى في سورة التوبة (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يتخذونها رياءً وسمعةً وفخراً. الطهارة معنوية من الآثام والتكبر والغرور والغضب والحسد والجهل، وإنَّ المسجد مدرسة قبل كل شيء، وإنَّ وجود المدارس والمعاهد والجامعات، لا يعفي المسجد من رسالته التربوية.

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *