بكاء وابتسامات ونكات وقبلات.. هكذا يحتج الجزائريون

بكاء وابتسامات ونكات وقبلات.. هكذا يحتج الجزائريون

صنع الحراك الشعبي المستمر في الجزائر حالة مميزة للغاية، مقارنة بمناطق أخرى في العالم.

فإلى جانب سلميته والطابع الاحتفالي للاحتجاجات حتى في ذروة أزمة ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة (تراجع عنها)، ظهرت لافتات وشعارات تمزج بين الطرافة والإنسانية، وتعكس وعيا بالوضع القائم.

في 22 فبراير/شباط الماضي انطلقت مظاهرات شعبية في العاصمة الجزائر ومختلف المحافظات، رفضا لترشح بوتفليقة (82 عاما) لولاية خامسة في انتخابات كانت مقررة يوم 18 أبريل/نيسان المقبل.

وفي رسالة وجهها إلى الجزائريين، يوم 11 مارس/ آذار الجاري، أعلن بوتفليقة سحب ترشحه وتأجيل الانتخابات، إضافة إلى إقالة رئيس الوزراء أحمد أويحي، وحل الهيئة العليا للانتخابات، والدعوة إلى مؤتمر للحوار.

كانت الجمعة الرابعة للحراك، أمس الأول، في حجم الرهان عليها كاختبار لمدى تواصل التعبئة الشعبية ضد استمرار بوتفليقة، الذي يحكم منذ عشرين عاما، وإعلان موقف الشارع من القرارات الرئاسية، بل وكان الحشد أكبر مقارنة ببداية الاحتجاجات.

خلال المظاهرات المتواصلة يصنع الجزائريون نساء ورجالا مشاهد سلمية وإنسانية لافتة تداولها الإعلام المحلي والعالمي ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تظهر المحتجين في أجواء احتفالية، رغم حجم الاحتقان السياسي والأزمة التي تعيشها الجزائر.

بجانب عدم تسجيل حوادث، رغم حجم الحشود الضخم، يتطوع شباب في نهاية كل مسيرة لجمع القمامة، وينظمون المحتجين، لتفادي الاحتكاك برجال الشرطة، الذين يتفادون بدورهم المتظاهرين، ويراقبون فقط المنشآت الحيوية.

** شعارات مضحكة

رصدت الأناضول شعارات متنوعة تمزج بين الطرافة والفكاهة تارة والإنسانية تارة أخرى.

رسم شاب لافتة مضحكة كتب عليها “عمري 22 سنة منها 20 سنة بوتفليقة وسنتان راطراباج”، وتعني: “عمري بعمر سنوات حكم الرئيس بوتفليقة وعامان في الجامعة”.

وفي لافتة مشابهة كتب متظاهر: “عمري 30 سنة، 10 سنوات إرهاب (العشرية السوداء) و20 سنة بوتفليقة”.

وهو يقصد أنه قضى 10 سنوات في التسعينيات، وعشرين سنة من 1999 إلى 2019، وهي فترة حكم بوتفليقة.

وفي شارع ديدوش مراد بالعاصمة، عبرّ أربعة شباب عن تذمرهم من السلطة، بحمل لافتة مكتوب عليها: “ربي حلل ربعة والخامسة حرام عليك”، ومعناها أن “الله حلّل الزواج بأربعة نساء وليس خمسة”، في إشارة إلى رغبة بوتفليقة في ولاية رئاسية خامسة.

** لافتات طريفة

بقوة، حضرت المشاهد الإنسانية المؤثرة في الحراك الشعبي، حيث نشر الناشط تركي الشلهوب صورة طفل يحمل لافتة يخاطب عبرها بوتفليقة قائلا: “لست الرب لنؤمن بوجودك، دون أن نراك”، في إشارة إلى متاعب صحية يعاني منها منذ سنوات وتجعل ظهوره نادرا.

ونشرت الإعلامية خديجة بن قنة على “تويتر” صورة لسيدة ترفع لافتة كتب عليها: “ألف مليار نديرو بها كارلاج للكرة الأرضية ويبقى الصرف”.

وأرفقت بن قنة الصورة بتغريدة: “لافتة معبّرة تشير إلى المبالغ الخيالية التي صُرفت خلال حكم بوتفليقة، وهي ألف مليار دولار” وتقول بأسلوب ساخر :” بألف مليار دولار ممكن نبلّط الكرة الأرضية ويتبقى لنا فكّة”.

ونشر الكاتب سعيد بوطاجين صورة لشرطي وهو يبكي تأثرا بهتاف الجماهير: “الشرطة والشعب إخوة”.

فيما نشر ناشط يدعى “منير كا” صورا لشرطي يقبلّ عجوزا، وآخر تقبلّه طفلة، ورجال شرطة يحتفلون بنجاحهم في تأمين المظاهرات، مع عبارة: “تحيا لجزائر”.

وتداول الإعلامي قادة بن عمار صورة لرجل معاق يحمل لافتة مكتوب عليها: “نحن لسنا ذوي الاحتياجات الخاصة بل ذوي الاحتجاجات الخاصة”، في إشارة إلى أن “فئة المعاقين ترفض نظام بوتفليقة”.

ونشر الناشط “يونس قرار” مشهدا لشاب في العاصمة بيده لافتة طريفة ومعبرّة في آن واحد كتب عليها: “أهدي تحياتي لأمي ولكل النساء اللواتي ربيننا أحسن تربية، ولولا تربيتهن لما كانت المظاهرات سلمية”.

** حضور نسائي مميز

للمرأة حضور قوي في المظاهرات، خاصة في 8 مارس/آذار الجاري، بالتزامن مع الاحتفال بعيد المرأة.

وفق ما رصدته الأناضول حضر في المظاهرات “الحايك” (لباس تقليدي جزائري)، وهو يعبر عن أصالة المرأة الجزائرية.

ودوت الزغاريد والفوفوزيلا (آلة نفخ موسيقية إفريقية) في الشوارع، بينما عبرّت النساء عن الوضع على طريقتهن عبر لافتتات مثل “ثورة الابتسامة”، و”المرأة ليس مكانها في المطبخ”.

ورفعت إحدهن لافتة مكتوب عليها: “لو يرفع كل مسؤول جزائري العلم فوق ممتلكاته بالخارج لتزينت أوروبا بالألوان الوطنية” (تتحدث عما يتردد عن فساد مستشر في الجزائر).

وتجلت صور سلمية في الأطفال والرضع والشيوخ الذين خرجوا في مسيرات ضد ولاية خامسة، ملتحفين العلم الوطني وسائرين رفقة أهلهم وسط الحشود.

ووزع شباب الحلوى والماء على المتظاهرين، ونظفوا مخلفات الاحتجاجات.

** الكسكسي حاضر

في الجمعة الرابعة للحراك، لاحظت الأناضول شعارات ومظاهر أخرى حملها شباب رافض للتدخل الأجنبي ولتأجيل الانتخابات: منها “لا للتمديد”، “لا واشنطن، لا باريس، الشعب يعين الرئيس”، وإيمانويل “ماكرون اعتن بوالدتك، الجزائر أكبر منك”، ردا على ترحيب الرئيس الفرنسي بقرار بوتفليقة سحب ترشحه. ورفضا لتدخله.

بجانب شعارات أخرى مثل: “لا نريد بناء سفينة جديدة بخشب قديم”، و”من أنت”، وهما لافتتان تحملان صورة الدبلوماسي الجزائري السابق، الأخضر الإبراهيمي، يتساءل عبرهما شاب عن دور الإبراهيمي في هذا المرحلة ورفض بقاء الوجوه القديمة في واجهة الحكم.

ووزعت عائلات في العاصمة “الكسكسي”، وهو أكلة شهيرة في الجزائر، واللحم والتمر واللبن والماء وحلوى الزلابية على المتظاهرين، الذين وصل بعضهم من أحياء ومدن بعيدة للتظاهر طيلة اليوم.

** حالة استثنائية

قالت الإعلامية نوال الهواري للأناضول إن “المظاهرات التي عاشتها الجزائر تمثل استثناء في العالم العربي، ولم تكن محطة عابرة وفقط، بل مرحلة مهمة أبرزت تلاحم الجزائريين”.

وأضافت الهواري: “الشعب عبر بكل حرية عن مكبوتات لطالما تكتم عنها”.

واعتبرت أن “الأجمل هي اللوحات التي صنعتها الشعارات، أبرزها الرافضة للتدخل الأجنبي.. وهذه الشعارات تعكس تحضر الجزائريين ووعيهم”.

وقال المدون والناشط صالح كحول للأناضول: “حراك الشعب نتيجة حتمية ولم يكن خروجه إلى الشارع ضد الفساد والولاية الخامسة غريبا”.

وأردف كحول: “أمام فشل الحكومة وضعف المعارضة والنخبة وجد الشعب نفسه مرغما على الخروج إلى الشارع بحثا عن رئيسه”.

وتابع: “تحت تأثير الإحباط الذي أنتجته السلطة، فإن خروج الجماهير بصوت واحد (لا للخامسة) يعتبر دعوة صريحة لإسقاط النظام”.

وشدد على أن “الجزائريين ردّوا بطريقتهم السلمية والحضارية على المشككين في الحراك وعلى دعاة الفتنة”.