بالقوة الناعمة تستطيع كوردستان جمع حلفاء لها

بالقوة الناعمة تستطيع كوردستان جمع حلفاء لها

روندك عقراوي

تسعى الدول الكبرى إلى غزو العالم والسيطرة على الشعوب من خلال عدد من الخيارات التي تمثل الأخطر والأسهل والأكثر تأثيرًا لتحقيق مصالحها من خلال ما يعرف باسم “القوة الناعمة” التي تمثل القوة الروحية والمعنوية للدولة، تمتد هذه القوة إلى خارج حدود الدولة. تعد القوة الناعمة هي السلاح الأقوى لمواجهة كافة أشكال التطرف والعنف والإرهاب، ولاستعادة الدور فهى حجر الزاوية في تشكيل الوعي والتفكير الجمعي للشعوب. فالقوة الناعمة هي القدرة على الهيمنة والسيطرة على المقدرات الثقافية والأيديولوجية للطرف المستهدف، حيث تتضمن إجباراً وإلزاماً غير مباشرين على التغيير والتأثير على الرأى العام، دون إظهار هوية الفاعل ولا الهدف الأساسي من عملية التغير، و يمكن تعريفها على إنها “قدرة طرف ما على التأثير والجذب تجاه الطرف الآخر دون استخدام أي شكل من أشكال العنف، من أجل الحصول على الأهداف أو النتائج التي يسعى لتحقيقها أحد الأطراف”. وتعني في جوهرها القوة الروحية والمعنوية المتجسدة في الأفكار والأخلاق والمبادئ من خلال الدعم الذي تقدمه في مجالات الثقافة والفن علاوة على إعلائها العديد من القيم السياسية، ما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والثقة فيه ثم اتباعه. تتجسد مصادر القوة الناعمة في ثقافة المجتمع، والقيم السياسية (المقبولة داخليًا وخارجيًا)، والسياسة الخارجية (بمقدار شرعيتها)، عبر توظيفها لجذب الطرف الأخر متمثلة في (الصوت المعتدل في المنظمات الدولية الإقليمية، والدور القيادي، ونبذ العنف، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول)، ثم الموارد الاقتصادية والموارد العسكرية (من خلال قنوات التعاون والتدريب أو التوظيف في أغراض إنسانية كالكوارث الطبيعية وغيرها). أصبحت قوة الدول تقاس بمدى توظيفها لأدواتها الثقافية وقيمها السياسية وتاريخها الحضاري ليس فقط بمقدار الناتج القومي ولا ما تمتلكة من قدرات عسكرية. وكذلك تراجع الكثير من الدول في استخدام القوة العسكرية والدخول في حروب طويلة حيث عدم القدرة علي التغلب علي كثرة التكلفة سواء البشرية والمادية ومن أهم الحالات دخول الولايات المتحدة الأمريكية حرب فيتنام بدون وضع أهداف حقيقية وأيضًا استراتيجية خروج واضحة الأمر الذي ترتب عليه تكبدها خسائر فادحة، علاوة على تكرار نفس السيناريو في غزو العراق واحتلالها جعل ذلك الرأي العام الأمريكي يأثر علي صانعي السياسية الخارجية الأمريكية بالتراجع في الدخول في حروب عسكرية مرة ثانية ما وضح في الأزمة السورية. إذن هنا لابد من الإشارة إلى كيفية توظيف القوة الصلبة لتتحول إلى “قوة ناعمة” من خلال استخدام القوة للتهديد وليس استخدامها بشكل مباشر، استخدام الدبلوماسية العامة للاقناع والاستمالة بدلًا من الضغط والإكراه ؛ تقديم المعونات والإمدادت العسكرية لحماية الحلفاء بدلًا من الدخول بشكل مباشر في الحروب والمنازعات؛ تمثلت في أنماط التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بعد احتلال العراق الذي انتهج عدة أشكال منها القوات الخاصة المنوطة بتقديم المساعدات والتدريب والتنسيق بدون الاشتباك في مهام قتالية وفي أفغانستان وسوريا والعراق، علاوة على تسليح الكورد باعتبارهم فصيل غير متحيز في الحرب السورية ، المشاركة في التحالفات الدولية، علاوة على تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجيستي في مناطق النزعات والحروب ، تقديم حملات للإغاثة في مواجهة الأزمات والكوارث. على حكومة إقليم كوردستان إستخدام أدوات الاقناع والاستمالة بدلًا من الضغط والإكراه في إدارة علاقاتها الدولية، في محيطها الإقليمي بل والدولي عبر أدوات الدبلوماسية الشعبية وتوظيف الأبعاد الثقافية والتعليمية والإبداعية علاوة على توظيف القوة الاقتصادية في إدارة العلاقات الخارجية عبر توظيف المعونات الاقتصادية والمساعدات، ولا يمكن نسيان بأن كوردستان تمتلك موقعآ جغرافيآ مهمآ ،وحقول نفطية مهمة ،مراكز دينية ، وتمتلك جامعات كجامعة صلاح الدين ، دهوك ، سليمانية والجامعة الامريكية والعديد من الجامعات الخصوصية . فعلى القيادة الكوردستانية الاهتمام بمكامن القوة الناعمة الحاضرة في ثقافتها كركيزة داعمة في سياستها الداخلية والخارجية من خلال الاهتمام بحركة الفن والإعلاميين والأدباء، تجسد في اللقاءات المستمرة للاستماع إلي مطالبهم،وإصطحاب أعدادآ منهم في زياراتهم الخارجية لتعزيز العلاقات الثنائيةعلى مستوى الدبلوماسية الشعبية،وكذلك قيام قيادة السياسة بتوجيه الاهتمام اليها من خلال عقد عدد من الدورات التدريبية تشمل مجالات عدة كالمياه والري ، الطب ، البيطرة ، الزراعة ، السياحة …الخ. كما على الاقليم الآنتباه ما تتعرض له من مخاطر تأتي على رأسها المحاولات المضنية لإثارة الفتن بين المسلمين والمسيحيين واليزيديين كون كوردستان مكان تجمع أديان عدة. لابد من إرادة سياسية لدى النخبة الحاكمة تعمل على إعادة تفعيل دور القوة الناعمة من خلال الإصلاح السياسي والتجديد في الخطاب الديني، مع إعطاء مساحة أكبر من حرية الرأي والتعبير والإبداع بجميع أشكاله. تدعيم القوة الناعمة عبر التشريعات والقوانين التي تحمي المثقفين والمبدعين، فضلًا عن دعمها من القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني. بالإضافة إلى توظيفها لمواجهة الحروب النفسية التي تعاني منها الآقليم وبسبب عدم الاستقرار السياسي وتراجع معدلات النمو الاقتصادي تواجه تحديآ كبيرآ .لذا على حكومة الآقليم إتخاذ خطوات جادة فيما يتعلق بآليات تحويل الثقافة مصدر قوة لتحقيق التنمية الشاملة. بالطبع لا يمكن في زمن صراعي وتنافسي في تاريخ العلاقات الدولية الإتكاء على القوة الناعمة كبديل للسياسة الواقعية المبنية على إكتساب المبادرة على المستوى العسكري والإقتصادي ، بل تدخل في حساب معادلة قوة وطنية شاملة تتوطد بكل ما تحتويه من خيارات عسكرية ومناورات دبلوماسية وضغوط إقتصادية ثم قوى ناعمة ،ثقافية وإعلامية . فذكر الكاتب ( جوزيف ناي ) في كتابه القوة الناعمة (Soft Power ) الذي نشر في عام 2004أن القوة الناعمة سلاح مؤثر يحقق الأهداف عن طريق الجاذبية والإقناع بدلا من الإرغام أو دفع الأموال، وموارد القوة الناعمة لأي بلد هي ثقافته إذا كانت تتمتع بالقدر الأدنى من الجاذبية وكذلك قِيَمه السياسية عندما يطبقها بإخلاص داخليا وخارجيا إضافة إلى السياسة الخارجية. ويا ليت حكومة إقليم كوردستان تقوم بتأسيس مكتب للقوة الناعمة في الحكومة لبث رسالتها وثقافتها وبناء وتعزيز صورتها الذهنية الإيجابية وتسويق نفسها عند الآخرين. فلك أن تتخيل الإنسان الغربي يتأثر بكلامك وطريقة حياتك ولبسك وأسلوبك ونوعية الأطعمة فيكون أثره أعمق أن يحمل قيمنا ومبادئنا السمحة فيكون مدافعا عنّا محبا لنا مسوقا لوطننا من دياره.

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *