باريس و اربيل  مجددا

بدرخان الزاويتي

لعل الاحداث المتسارعة في المنطقة و تشديد الخناق على ايران بعد تنفيذ  الاستراتيجية الامريكية الجديدة تجاهها و دخولها المراحل الاخيرة و تحسن العلاقة بين اربيل و بغداد و التي كان لفرنسا الدور الاكبر فيها  وانتخاب السيد نيجيرفان البارزاني رئيسا للاقليم و تزايد تهديدات pkk للاقلیم ومعلوم انها مدعومه‌‌ من اجندات اقلیمیه‌ و دولیه‌ و خاصه‌ ایران و احداث اخرى كثيرة جعلت من باريس ان تسارع الى دعوة رئيس الاقليم و تم استقباله في قصر اليزيه في 10-7-2019 و تم التباحث حول قضايا كثيرة تخص العراق و الاقليم و عموم المنطقة و كما كان في السابق فان هذه الزيارة و مواقف فرنسا تجاه كوردستان كانت لها رسائل واضحة لاطراف معينة و ستغير الكثير من المعطيات في المنطقة لصالح الاقليم .

بعد مرور اكثر من عام و نصف على زيارة رئيس حكومة اقليم كوردستان الى فرنسا و تحديدا في 2-12-2017 و كسره للحصار المفروض على الاقليم بعد احداث 16 اوكتوبر و  استقباله من قبل الرئيس ماكرون حينها تغير مجريات الاحداث في العراق و المنطقة لصالح كوردستان و تحول الخناق الذي فرضه بغداد و بعض الدول الاقليمية على الاقليم الى ضغوطات على بغداد و جعلت من بغداد حينها ان تخضع لمعطيات الواقع الجديد و تتفق مبدئيا مع الاقليم في بداية اذار من عام 2018 لوقف التصعيد و التحريض الاعلامي و بدء المفاوضات و هذا ماتم و بعدها تحول الى اتفاق اولي بين الطرفين ليبدأ معها مرحلة جديدة بالنسبة لكوردستان و هذا التغيير الكبير و النجاح الدبلوماسي الاكبر لرئيس حكومة الاقليم السيد نيجيرفان البارزاني حينها و كان لدولة فرنسا الدور الاكبر و البارز فيها و انعكست ايجابا على الانتخابات البرلمانية سواءا في العراق و اقليم كوردستان و الحزب الديمقراطي اصبح الحزب الاول عراقيا و كوردستانيا و اصبح الرقم الاصعب في المعادلات السياسية في العراق و المنطقة .

يجدر بالذكر انه في انتفاضة عام 1991 سيطرة الكورد على كل محافظات الكوردستانية في شمال العراق ولم يدوم سيطرتهم طويلا عندما سمح الويلايات المتحدة الامريكية للجيش العراقي باستخدام الطائرات بحجة النقل و قيام نظام صدام حسين بالعمليات العسكرية للقضاء على الانتفاضة وهذا ماادى الى هروب و هجرة الملايين من الشعب الكوردي الى تركيا و ايران و هنا كان الدور الابرز لدولة فرنسا لتحريض المجتمع الدولي للتحرك لاغاثة الشعب الكوردي و انقاذه من الهلاك و الموت الجماعي .

وبعدها اصرت فرنسا على ضرورة اصدار قرار اممي لحماية الكورد من بطش النظام العراقي و كانت فرنسا حينها رئيسة الدورية لمجلس الامن و حينها اي في عام 1991 تم اصدار قرار (688) و التي بموجبه تم حظر طيران للطائرات و الجيش العراقي على طول الخط الازرق الذي وضعه قرار مجلس الامن و ضغطت على منظمة الامم المتحدة بظرورة ابعاث المنظمات الدولية لمساعدة الكورد و حكومة الاقليم المنتخبة عام 1992 لحمايته و تنميته و تقديم الدعم اللازم لقطاعاته . ومن حينها سعت القيادات الكوردية و الحكومات المتعاقبة في اقليم كوردستان الى استثمار تلك المواقف الدولية و تحويلها الى علاقات دبلوماسية و بعدها استراتيجية وخاصة بعد سقوط النظام عام 2003 و كان لرئيس الحكومة السابق السيد (نيجيرفان بارزاني) الدور الابرز لتنمية تلك العلاقات و تطويرها و استثمارها  لمصلحة الشعب الكوردي منذ تلك الفترة.

بعد ان سيطرت داعش على ثلث الاراضي العراقية و استحواذها على سلاح اكثر من ست فرق عسكرية من الجيش العراقي وشنها الحرب على كوردستان و نزوح المئات الاف من الاهالي من وسط و غرب العراق  و هروبهم الى مناطق اقليم كوردستان والظروف المأساوية التي كان يعيشها الشعب الكوردي من حرب و قطع الميزانية من قبل بغداد  و الصعوبات و الازمات التي كانت تعاني منها الحكومة كان الرئيس الفرنسي (فرنسوا هولاند) اول رئيس دولة يزور اربيل خارج اطار البروتوكولات و تحديدا في (12-9-2014) و وعد بتقديم كل الدعم للبيشمركة و للحكومة و قدمت فرنسا كل اشكال الدعم لاقليم كوردستان منها عسكرية و منها مساعدات للنازحين و منها دبلوماسية و سياسية و كرر هولاند زيارته الى كوردستان في 3-1-2017 .

بعد احداث 16 اكتوبر كانت تلك اول زيارة رسمية لوفد رفيع كوردي خارج العراق و يأتي هذه الزيارة  بناءا على دعوة رسمية من الرئيس الفرنسي في ظروف حساسة و صعبة جدا يمربها اقليم كوردستان حكومة و شعبا من قرارات بغداد بالغاء الرحلات الجوية و الاستمرار على قطع الميزانية و الرواتب وحصارها للاقليم و التصعيد المستمر في مواقفها العدائية لكوردستان و انتهاكها الصارخ لاغلب مواد الدستور العراقي وقيامها بحملات تعريب و جينوسايد  في عدة مناطق كوردستانية و كذلك رفضها لكل المبادارات و الدعوات لاجراء المفاوضات و استمرارها على نهجها الطائفي والمذهبي و محاربتها للكورد و تهديدها المستمر باستخدام القوة بحجة فرض القانون و الدستور . و هنا كانت قوة و اهمية تلك الزيارة التي قام بها رئيس حكومة اقليم كوردستان حينها و التي لم يستخدم فيها مطار بغداد و ذاهبه الى تركيا عبر منفذ فيشخابور و بعدها استقباله من قبل الرئيس الفرنسي كرئيس الحكومة لايقل شأنه عن استقبال اي رئيس اخر و غيرت كل الظروف و المعادلات السياسية في العراق لصالح الاقليم.

حينها تمحور المباحثات بين الطرفين على اربع نقاط رئيسية و هي البدء بالمفاوضات و تطبيق الكامل للدستور و خاصة تطبيق المادة 140 و حل جميع المليشيات بما فيها الحشد الشعبي و التوزيع العادل لايرادات العراق واذا نظرنا الى واقع العراق حينها و حتى الان ايضا سيتضح انه واقع العراق لم يتغير كثيرا و انه من المستحيل ان يستطيع حكومة بغداد سواءا برئاسة عادل عبدالمهدي او غيره من تنفيذ هذه النقاط  و مطاليب الاقليم رغم انها تقع ضمن الدستور العراقي لاسباب عدة اهمها ان العراق يعيش في ضائقة مالية حادة و ان الحشد الشعبي ليس تحت سيطرة الحكومة و ان الحكومة رغم انها اصدرت امرا بدمج الحشد مع الجيش العراقي و غلق مقراتها و الغاء اسمائها و اعادة تنظيمها داخل و حدات الجيش  ولكن و في مثل هذه الظروف فهذا الامر اشبه بالمستحيل ان ينفذ و لاسباب كثيرة اهمها موالاة هذه المليشيات لايران و ليست للعراق. و وان بغداد لن تستطيع تطبيق المادة 140 من الدستور و هذا يعني انه اذا لم تلتزم العراق بالدستور و البدء بالمفاوضات و حل المشاكل فان هذا الموضوع اصبح شانا دوليا و ان مجلس الامن الدولي هو من يشرف على هذا الموضع و زيارة وفد من مجلس الامن الى العراق و لقائهم مع رئيس الاقليم و رئاسة برلمان كوردستان كانت بهذا الخصوص و ان عدم التزام بغداد بالمهلة التى حددها مجلس الامن و بالدستور فان  نتائج الاستفتاء ستطبق على ارض الواقع و قد يبقى الاقليم ضمن العراق الفيدرالي لفترة اخرى ولكن سيعود حدود الاقليم الى التي اجريت عليها الاستفتاء. هذا اذا علمنا ان المنطقة باسرها متجهة نحو تغييرات كبيرة و هائلة و مقبلة على تقسيمات كبيرة لامحال و هذه التقسيمات سيكون للكورد النصيب و الدور الاكبر و الابرز فيها و هنا يأتي الدور الرئيسي الذي يلعبه فرنسا تجاه القضية الكوردية فكما حمت الكورد بقرار اممي في عام 1991 اصبحت زيارة رئيس اقليم كوردستان نقطة تحول اخرى في كل معادلات المنطقة و نتائجها ستظهر قريبا و ستكون لصالح كوردستان .